محمد محمد أبو ليلة

158

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

أما المستشرقان كتاني وإسكواللى فيشككان في صحة رواية واقعة اليمامة التي كانت سببا في جمع القرآن قائلين بأن عدد الذين استشهدوا في هذه الموقعة من الحفاظ الذين ذكرتهم المصادر قليل ، وهذا يعنى أن خبر واقعة اليمامة لا يصلح أن يكون سببا لانزعاج الخليفة عمر ، ودعوته لجمع القرآن . ولذلك فإن اسكواللى يذكر أن الذين استشهدوا من الحفاظ من الصحابة في موقعة اليمامة كانوا اثنين فقط ؛ هذا على الرغم من أن بعض المصادر تحدد عددهم بأربعمائة وخمسين من جملة من قتلوا في هذه الموقعة ، وعددهم نحو الألف « 1 » . وبينما تذكر بعض المصادر الأخرى أن عدد القراء الذين استشهدوا في هذه المعركة كانوا سبعين شهيدا « 2 » . ومهما يكن الأمر فإنه ليس من المعقول أن نشكك في صحة الرواية لمجرد الشك ، أو لمجرد مقاضاة عصر وجيل باسم العقل ، وباسم الشك العلمي ، وليس من المعقول أيضا أن تقوم قائمة الصحابة وفيهم رئيس الدولة الخليفة أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه المعروف بحكمته ورزانته ، ويشفقون هذا الإشفاق على القرآن ، لمجرد قتل اثنين من الحفاظ ، وأن يبلغ الحال بأبى بكر أن يقول ( إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل في المواطن ، فيذهب كثير من القرآن « 3 » . يقول الكاتب إن واقعة اليمامة لا يمكن وحدها أن تشكل قاعدة أو خطة جمع القرآن ، ولكنها ربما تفيد في معرفة أن بعض أجزاء من القرآن مما كتب في حياة محمد صلى اللّه عليه وسلم وبقيت بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم قد جمعت في هذا الوقت . وهذا خطأ بالطبع وتجاوز لظاهر النص ، فمجموع الروايات التي نقلناها ، وبالذات رواية البخاري ، تقرر وبوضوح تام ، أن القرآن كان مكتوبا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مواد متفرقة ؛ وأن هذه المواد قد استخدمت في الجمع الأول للقرآن على

--> ( 1 ) الطبري " تاريخ الطبري " ، حوادث سنتي 11 ، 12 والزركشي ، البرهان 2 / 233 . ( 2 ) الزرقاني . مناهل 1 / 250 . ( 3 ) البرهان 1 / 232 .